نجم الدين الكبرى
10
فوائح الجمال وفواتح الجلال
وشهدائهم ، أولئك الذين تدفقت رحلتهم الروحية حتى انتهت بواقعة موت عارم ، مروع ، أخّاذ ؛ فوجدتهم - كلهم - من ذوى الأصول الفارسية : الحسين ابن منصور الحلاج ، أبو الحسين النوري ، عماد الدين النسيمى ، عين القضاة ، الهمذاني ، شهاب الدين السهروردي ، مجد الدين البغدادي الخوارزمي ، نجم الدين الكبرى . * * * بدأت معرفتي بنجم الدين الكبرى على مقاعد الدرس في السنة الثانية من دراستي بقسم الفلسفة بآداب الإسكندرية . . كنا وقتها ندرس فخر الدين الرازي ، الفقيه المتكلم المفسر ، وبينما نحن في خضم المباحث الكلامية والفقهية العويصة التي يثيرها الفخر الرازي بطريقته الجافة المعقدة ، أطلّت علينا في الكتاب المقرّر قصة لقائه بنجم الدين الكبرى ، وما دار بينهما من حوار كان كأنه النسمة الباردة في صحراء درس الرازي . . وانطوت صفحات الأيام ، ولم أستزد من معرفتي بهذا الشيخ الذي فاض حواره مع الرازي بدفء الصدق . ومرت السنون ، حتى جلست يوما مع الصديق الروائي / جمال الغيطانى ، فسألني عن نجم الدين الكبرى ، فأجبته بأنه واحد من كبار صوفية الفرس ، ولم أزد . . فأخبرني أنه يود معرفة المزيد عنه ، ولما سألته عن الباعث ، قال إنه كان يزور الاتحاد السوفييتى - وكان وقتها قائما - فنظّموا له رحلة في الجمهوريات التي تعرف اليوم بالإسلامية ، فسلكوا به في صحراء مترامية ، حتى مضت الساعات على الطريق الذي يشق الرمال ، وعلى مرمى البصر رأى مسجدا . . عزل عنده ، فرآه وحيدا متفردا ، وقرأ على بابه : « هذا مقام الشيخ نجم الدين الكبرى قدس اللّه روحه » وعلى الجدران مكتوب : كأن لم يكن بين الحجون إلى الصّفا * أنيس ، ولم يسمر بمكّة سامر غاصت تلك الواقعة في نفسي ، وتمثلت هذا الشيخ المتفرد بقبره وسكونه وسط الصحراء . . وددت في معرفته ، وقد تذكرت ما كان من لقائه بفخر الدين الرازي ، فرحت أقلب الكتب . وكانت هزّتى الشديدة ، لما وجدت المراجع تحكى